مركز الثقافة والمعارف القرآنية

607

علوم القرآن عند المفسرين

غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ « 1 » ، وهذا بيان ما ليس بظلم من أكل مالهم ، ونحو قوله تعالى : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ « 2 » ، قال : فلم تحرم . ثم قال : إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ « 3 » - الآية - وهذا أيضا بيان الأول ، « 4 » وذاك أن ما كان مضرته أكثر من منفعته « 5 » ، فالعقل بالجملة يقتضي ، لكن لما كان غير صريح أكده بالآية الأخرى [ ذلك ] « 6 » . ومن التخصيص الذي يعد نسخا قوله تعالى : وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ ، مع قوله تعالى : وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ « 7 » .

--> كان فقيرا أن يأكل من مال يتيمه بالمعروف ، وهي عند ابن عباس منسوخة بقوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً الآية - وقاله زيد بن أسلم - ، وقيل : نسخت بقوله : وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ - سورة : الآية البقرة 188 - وقال أهل العراق : لا يأكل الوصي من مال يتيمه شيئا إلا أن يسافر من أجله فله أن يتقوت من ماله ولا يقتني . وقال جماعة من العلماء : الآية محكمة غير منسوخة ومعنى : بِالْمَعْرُوفِ قرضا يؤديه إذا أيسر . وقوله : فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ قيل معناه : فما استقرضتم من أموالهم ، وهذا القول مروي عن عمر وابن عباس والشعبي وابن جبير . - وانظر بقية الأقوال في الإيضاح : 175 - 176 . ( 1 ) سورة النساء : الآية 6 . ( 2 ) سورة البقرة : الآية 219 . ( 3 ) سورة المائدة : الآية 90 . ( 4 ) في نسخة : للأول . ( 5 ) في نسخة : نفعه . ( 6 ) قال مكي في الإيضاح : - قوله تعالى : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ الآية - : أكثر العلماء على أنها ناسخة لما كان مباحا من شرب الخمر ، لأنه تعالى أخبرنا أن في الخمر إثما وأخبرنا أن الإثم محرم بقوله تعالى : قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ فنص على أن الإثم محرم وأخبر أن في شرب الخمر إثما ، فهي محرمة بالنص الظاهر الذي لا إشكال فيه - وما حرم : كثيره أو قليله حرام - كلحم الخنزير والميتة والدم . وسورة البقرة مدنية فلا يعترض على ما فيها بما نزل في الأنعام المكية في قوله تعالى : قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ . . . لأن هذا التحريم نزل بمكة ، والخمر نزل تحريمها بالمدينة ، وزادنا اللّه تأكيدا في تحريم الخمر بقوله : فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ! ! فهذا تهديد ووعيد يدلان على تأكيد التحريم للخمر . . وقال ابن جبير لما نزلت : قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ كره الخمر قوم للإثم وشربها قوم للمنافع حتى نزل : لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى فتركوها عند الصلاة حتى نزلت فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ فحرمت . فهذا يدل على أن آية البقرة منسوخة بآية المائدة . والمائدة نزلت بعد البقرة بلا شك . . . » . ( 7 ) قال مكي في كتاب الإيضاح : 76 - 77 : قال اللّه تعالى : وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ البقرة : 221 فعمّ هذا اللفظ تحريم نكاح كل مشركة من كتابية وغيرها ، ثم خصص ذلك بقوله في المائدة : وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ فأحل نكاح الكتابية ، فخرج الكتابيات من عموم آية البقرة ، وبقيت الآية مخصوصة في تحريم نكاح كل مشركة غير كتابية ، فبيّن بالتخصيص الأعيان ، المحرمات ، ولا يكون هذا نسخا ، لأن حكم النسخ إزالة الحكم الأول بكليته ، ولأن النسخ إنما هو بيان الزمان الذي انتهى إليه العمل بالفرض المنسوخ ، وليس ذلك في هذا . وقد روي عن ابن عباس أنه قال : آية المائدة ناسخة لآية البقرة ، وهذا إنما يجوز على أن تكون آية البقرة